الفيض الكاشاني

17

أنوار الحكمة

فما يرتسم من الوجود في النفس إنّما هو وجه من وجوهه وعنوان من عنواناته ، وليس بحقيقته . وإذ ليس له وجود ذهنيّ ، فليس بكلّيّ ولا جزئيّ ولا عامّ ولا خاصّ ولا مطلق ولا مقيّد ؛ بل يلزمه هذه الأشياء بحسب ما يوجد به من الماهيّات وعوارضها ؛ وهو في ذاته أمر بسيط لا تتألّف حقيقته من أجزاء عينيّة أو ذهنيّة ، وإلّا لكان حصول حقيقته لتلك المقوّمات أقدم من حصوله لما يتقوّم بها - أي الوجود - فيلزم حصول الشيء قبل نفسه ؛ فدار الوجود على نفسه . ثمّ تخصّص كلّ وجود إمّا بالتقدّم والتأخّر ، أو بالكمال والنقص ، أو الغنى والفقر ؛ وإمّا بعوارض ماديّة - إن وقع في الموادّ - وهي لوازم الشخص المادّي وعلاماته . فوقوع كلّ وجود في مقام من المقامات ومرتبة من المراتب مقوّم له ، لا يتصوّر وقوعه في مرتبة أخرى - لا سابقة ولا لا حقة - ولا وقوع وجود آخر في مرتبته - لا سابق ولا لاحق . وتمام تحقيق المقام يطلب من كتابنا الموسوم بعين اليقين . نور [ شهادة الفطرة بوجوده تعالى ] الحقّ أنّ التصديق بوجوده سبحانه أمر فطريّ ؛ ولذا ترى الناس عند الوقوع في الأهوال وصعاب الأحوال يتوكّلون بحسب الجبلّة على اللّه ويتوجّهون - توجّها غريزيّا - إلى مسبّب الأسباب ، ومسهّل الأمور الصعاب ، وإن لم يتفطّنوا لذلك ، قال اللّه سبحانه : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [ 31 / 25 ] قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَ غَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ [ 6 / 40 - 41 ] .